محمد الريشهري
2041
ميزان الحكمة
معانيها - لا تخلو عن ملابسة المادة والحركة والتغير ، ولذلك لا تستعمل في مورده تعالى غير الخمسة الأخيرة منها ، أعني العلم والحفظ والحكمة والخبرة والشهادة ، فلا يقال فيه تعالى : إنه يظن أو يحسب أو يزعم أو يفهم أو يفقه أو غير ذلك . وأما الألفاظ الخمسة الأخيرة فلعدم استلزامها للنقص والفقدان تستعمل في مورده تعالى ، قال سبحانه : * ( والله بكل شئ عليم ) * ( 1 ) ، وقال تعالى : * ( وربك على كل شئ حفيظ ) * ( 2 ) ، وقال تعالى : * ( والله بما تعملون خبير ) * ( 3 ) ، وقال تعالى : * ( هو العليم الحكيم ) * ( 4 ) ، وقال تعالى : * ( انه على كل شئ شهيد ) * ( 5 ) . ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول : لفظ العقل على ما عرفت يطلق على الإدراك من حيث إن فيه عقد القلب بالتصديق على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحق والباطل في النظريات ، والخير والشر والمنافع والمضار في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أول وجوده ، ثم جهزه بحواس ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وبأخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة والحب والبغض والرجاء والخوف ونحو ذلك ، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضي فيها في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظريا ، وفي العمليات والأمور المربوطة بالعمل قضاء عمليا ، كل ذلك جريا على المجرى الذي تشخصه له فطرته الأصلية ، وهذا هو العقل . لكن ربما تسلط بعض القوى على الإنسان بغلبته على سائر القوى كالشهوة والغضب فأبطل حكم الباقي أو ضعفه ، فخرج الإنسان بها عن صراط الاعتدال إلى أودية الإفراط والتفريط ، فلم يعمل هذا العامل العقلي فيه على سلامته ، كالقاضي الذي يقضي بمدارك أو شهادات كاذبة منحرفة محرفة ، فإنه يحيد في قضائه عن الحق وإن قضى غير قاصد للباطل ، فهو قاض وليس بقاض ، كذلك الإنسان يقضي في مواطن المعلومات الباطلة بما يقضي ، وإنه وإن سمي عمله ذلك عقلا بنحو من المسامحة ، لكنه ليس بعقل حقيقة لخروج الإنسان عند ذلك عن سلامة الفطرة وسنن الصواب . وعلى هذا جرى كلامه تعالى ، فإنه يعرف العقل بما ينتفع به الإنسان في دينه ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل ، وإذا لم يجر على هذا المجرى فلا يسمى عقلا ، وإن عمل في الخير والشر الدنيوي فقط ، قال تعالى : * ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) * ( 6 ) وقال تعالى : * ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في
--> ( 1 ) النساء : 176 . ( 2 ) سبأ : 21 . ( 3 ) البقرة : 234 . ( 4 ) يوسف : 83 . ( 5 ) فصلت : 53 . ( 6 ) الملك : 10 .